ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
154
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
اعلم أن طبع الدنيا التلطف بالاستدراج أولا والتوصل إلى الإهلاك آخرا وهي كالمرأة تزين للخطاب حتى إذا أنكحتهم ذبحتهم وقد روي أن عيسى ابن مريم عليه السّلام كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوز هتماء ( 1 ) عليها من كل زينة فقال لها كم تزوجت قالت لا أحصيهم قال وكلهم ماتوا أو كلهم طلقوك قالت بل كلهم قتلت فقال عيسى عليه السّلام بؤسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين كيف تهلكينهم واحدا واحدا ولا يكونون منك على حذر . مثال آخر للدنيا في مخالفة باطنها لظاهرها . اعلم أن الدنيا مزينة الظواهر قبيحة السرائر ، وهي تشبه عجوزا متزينة تخدع الناس بظاهرها فإذا وقفوا على باطنها وكشفوا القناع عن وجهها تمثل لهم قبايحها فندموا على اتباعها ( 2 ) وخجلوا من ضعف عقولهم في الاغترار لظاهرها . قال ابن عباس رض يؤتى يوم القيامة بالدنيا في صورة عجوز شمطاء ( 3 ) زرقاء أنيابها بادية مشوهة خلقها وتشرف على الخلائق فيقال تعرفون هذه فيقولون نعوذ بالله من معرفة هذه فيقول هذه الدنيا التي تناجزتم ( 4 ) عليها وبها تقاطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم ثم تقذف في جهنم فتقول يا رب أين أتباعي وأشياعي فيقول الله عز وجل ألحقوا بها أتباعها وأشياعها . وقال بعضهم بلغني أن رجلا عرج بروحه فإذا امرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة الحلي والثياب وإذا لا يمر بها أحد إلا جرحته ( 5 ) وإذا هي أدبرت كانت كأحسن شيء رآها الناس وإذا هي أقبلت كانت أقبح شيء رآها الناس عجوز شمطاء قال فقلت أعوذ بالله منك قالت لا والله لا يعيذك ( 6 ) الله حتى تبغض الدرهم قلت من أنت قالت أنا الدنيا .
--> ( 1 ) الهتماء : مؤنث الأهتم وهو الذي سقط مقدم أسنانه . ( 2 ) في بعض النسخ [ ابتياعها ] . ( 3 ) الشمطاء : مؤنث الأشمط وهو الذي خالط بياض رأسه سواد . ( 4 ) في بعض النسخ [ تشاجرتم ] . ( 5 ) جرح الشيء جرحا من باب منع - عابه وتنقصه . ( 6 ) في بعض النسخ [ مني ] .